ابن عجيبة

446

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإيمان بك ، بعد هذه الحالة المشهورة ، التي منّ اللّه عليهم بها ، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ أي : كافينى أمركم ، فإن قلت ذلك ؛ فإنه يكفيك شأنهم ويعينك عليهم ، أو فإن أعرضوا فاستعن بالله وتوكل عليه ، فإنه كافيك ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ؛ فلا يتوكل إلا عليه ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ؛ فلا أرجو ولا أخاف إلا منه ، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، أي : الملك العظيم ، أو الجسم الأعظم المحيط ، الذي تنزل منه الأحكام والمقادير . وعن أبي : آخر ما نزل هاتان الآيتان . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما نزل القرآن علىّ إلّا آية آية ، وحرفا حرفا ، ما خلا سورة براءة ، و ( قل هو اللّه أحد ) فإنهما أنزلتا علىّ ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة » « 1 » قاله البيضاوي . وهاتان الآيتان أيضا مما وجدتا عند خزيمة بن ثابت ، بعد جمع المصحف ، فألحقتا في المصحف ، بعد تذكر الصحابة لهما وإجماعهم عليهما . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ينبغي لورثته - عليه الصلاة والسلام - الداعين إلى اللّه ، أن يتخلقوا بأخلاقه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيشق عليهم ما ينزل بالمؤمنين من المشاق والمكاره ، وييسرون ولا يعسرون عليهم ، ويحرصون على الخير للناس كافة ، ويبذلون جهدهم في إيصاله إليهم ، ويرحمونهم ويشفقون عليهم ، فإن أدبروا عنهم استغنوا بالله وتوكلوا عليه ، وفوضوا أمرهم إليه ، من غير أسف ولا حزن . وقال الورتجبي : قوله تعالى : عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ، اشتد عليه مخالفتنا مع الحق ، ومتابعتنا هوانا واحتجابنا عن الحق . قال بعضهم : شق عليه ركوبكم مراكب الخلاف . قال سهل : شديد عليه غفلتكم عن اللّه ولو طرفة عين . ثم قال في قوله تعالى : ( فإن تولوا فقل حسبي اللّه . . . ) الآية : سلى قلبه بإعراضهم عن متابعته ، مع كونه حريصا على هدايتهم ، أي : ففي اللّه كفاية عن كل غير وسوى . قال القشيري : أمره أن يدعو الخلق إلى التوحيد ، ثم قال له : فإن أعرضوا عن الإجابة فكن بنا ، بنعت التجريد . ويقال : قال له : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ، ثم أمره أن يقول : حسبي اللّه . قوله تعالى : حَسْبُكَ : عين الجمع ، وقوله : حَسْبِيَ اللَّهُ فرق ، بل هو الجمع ، أي : قل ، ولكن بنا تقول ، فنحن المتولون عنك وأنت مستهلك في عين التوحيد ؛ فأنت بنا ، ومحو عن غيرنا . ه وبالله التوفيق . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

--> ( 1 ) عزاه في الفتح السماوي ، للثعلبي ، من حديث السيدة عائشة ، وقال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف : ( إسناده واه ) ، وقال الولي العراقي : هو منكر جدا . وقال التفتازانيّ في حاشيته على الكشاف : هذا يخالف ما ثبت في أحاديث صحيحة وردت في أسباب نزول كثير من الآيات ، فإنها نزلت منفردة . وذلك يدل على أن السورة لم تنزل جملة ، ولو لم لم تكن إلا آية : « وعلى الثلاثة الذين خلفوا . . » لكفى . ه . راجع الفتح السماوي ( 2 / 711 )